ترجمة موجزة للإمام أبوي السيد محمد علوي المالكي رحمه الله تعالى

image

ترجمة السيد محمد علوي المالكي رحمه الله رحمةً واسعة
المبحث الأول: اسمه كاملا وولادته ونشأته
المطلب الأول: اسمه كاملا
السيد محمد الحسن بن علوي بن عباس بن عبد العزيز المالكي مذهبا، المكي الحسني الإدريسي نسبا (1424م – 1365هـ).
المطلب الثاني: ولادته
ولد السيد رحمه الله تعالى في شهر رمضان المعظم من عام (1365ه) في بيت المالكي المعروف، بباب السلام بمكة المكرمة. وبيت المالكي هو بيت سيادة وشرف، وعلم وفضل منذ مئات السنين، فقد نال أهل هذا البيت الشرف والفضل والتكريم بالعلم والعمل والنسب النبوي الشريف.
المطلب الثالث: شرف نسبه
نسبه: يتصل نسب السيد رحمه الله بالسلالة النبوية الشريفة فهو: السيد محمد بن العلامة علوي بن العلامة السيد عباس ابن العلامة السيد عبد العزيز بن السيد محمد المالكي المكي الحسني الإدريسي، إلى سيدنا إدريس الأزهر بن إدريس الأكبر ابن عبد الله الكامل “المحض” بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ابن سيدنا علي وسيدتنا فاطمة الزهراء بنت سيدنا رسول الله ﷺ.
المطلب الرابع: نشأته
لقد نشأ هذا السيد العالم نشأة أهل الاصطفاء في أحضان أسرته القرشية الهاشمية التي ورثت العلم والزهد والتقوى كابرا عن كابر، فآل المالكي المكيون الحسنيون بدءاً من العلامة السيد عبد العزيز المالكي (ت: 1324 هـ)، فابنه العلامة السيد عباس المالكي (ت: 1353 هـ)، وصولا إلى جمانة العقد وواسطته ابنه العلامة الأديب السيد علوي المالكي (ت: 1391 هـ)، -وهو والد السيد محمد- كلهم أهل شرف وعلم وفضل، فكل منهم عالم فاضل حافظ لكتاب الله كما نجد منهم المدرس، والإمام والخطيب بالمسجد الحرام، وقد نالوا الفضل والتكريم بالعلم والعمل والنسب النبوي الشريف. وأبرز من ترك منهم أثرا ظاهرا والده السيد علوي رحمه الله فلنعرج على شيء من سيرته العطرة من خلال هذه السطور.
الوالد الكريم
ولد السيد علوي بن عباس المالكي في بيت المالكي المعروف بمكة المكرمة بباب السلام سنة (1328ه)، فبدأ بحفظ القرآن الكريم فأتمه وهو في العاشرة من عمره، ثم التحق بمدرسة الفلاح، ولشدة ذكائه وتفوقه على أقرانه أذن له بالتدريس فيها قبل تخرجه منها فكان يدرس الفصول الأولى مع تلقيه العلم في الفصول العالية، ثم أخذ عن جملة من العلماء الكرام منهم والده السيد عباس الذي أخذ عنه جل علومه، كما أخذ عن طائفة كبيرة من العلماء كمحدث الحرمين الشيخ عمر حمدان، والشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي، والشيخ حسن سعيد السناري، وغيرهم.
وللسيد علوي شعر بديع رائق ومساجلات شعرية، وقصائد دينية وبحوث علمية، وفتاوى مطبوعة، ومن مؤلفاته: العقد المنظم في أقسام الوحي المعظم، المنهل اللطيف في أحكام الحديث الضعيف، الإبانة في أحكام الكهانة، إبانة الأحكام شرح بلوغ المرام، وبقي السيد علوي بين التأليف والتدريس حتى توفاه الله عام (1391هـ)، ودفن بمقبرة الحجون المباركة.
وقد ترك السيد علوي رحمه الله ولدين هما: السيد محمد “المترجم له” والسيد عباس، وأربعا من الإناث هن الشرائف: زين، ورقية، وخيرية، وليلى.
قال السيد الدكتور حمد عبد الكريم دواح الحسيني في كتابه إمام دار البعثة: ومن الملاحظ أن عمر السيد علوي بلغ ثلاثة وستين عاما، والعالم إذا توفاه الله في هذه السن فإن ذلك علامة كونه من وارثي رسول الله ﷺ لأن النبي ﷺ التحق بالرفيق الأعلى في هذه السن، ومن الصحابة من بلغ هذه السن عند وفاته منهم ساداتنا: أبو بكر وعمر وعلي رضي الله تعالى عنهم.
وقد قدمت هذه النبذة المختصرة عن السيد علوي رحمه الله كي تتضح النشأة الكريمة، والأكناف الطاهرة التي نشأ فيها السيد محمد نشأة طهر، وعفاف وتقوى وطاعة لله ورسوله حبا وشوقا وتعلقا.
المطلب الخامس: دراسته وشيوخه
لقد نادى القرآن الكريم برفعة شأن العلماء فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، كما حث الناس على طلب الاستزادة من العلم فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، ثم أنكر علينا أن نسوي بين العالم والجاهل قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، لأن العلماء هم أشد الناس خشية لله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وبينت السنة الشريفة أن الله هو من يختار للإنسان طريق العلم لحكمة عظيمة تنطوي على ما ادخره الله لذلك العبد من الخير، عن معاوية ( قال: قال رسول الله ﷺ: “من يرد الله به خيرا يفقه في الدين”، ثم بينت فضل العالم، عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ: “فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم”، وعن أبي الدرداء ( قال: قال رسول الله ﷺ: “العلماء ورثة الأنبياء”، لهذا وغيره من الآثار سعى السيد محمد رحمه الله منذ نعومة أضفاره سعيا حثيثا في طلب العلم في رحاب البيت الحرام وحفظ القرآن الكريم في صباه ثم أخذ ينهل من علوم الحديث الشريف، وتضلع في علوم الدين العقلية والنقلية، ومن أبرز من أخذ عنهم والده السيد علوي رحمه الله إذ كان مربي روحه وجسده وشيخه في علوم الشريعة والحقيقة فأكب على علومه يغترف منها حتى أجازه بجميع علومه وأصبح الوريث لها، فجلس مكان والده بعد التحاقه بالرفيق الأعلى وأفاض الله عليه الفيض الرباني، ثم طلب المزيد من العلم على أقران والده، فواصل الليل بالنهار في البحث العلمي والتبحر في علوم الدين، وارتحل إلى عدة أقطار، وأجازه أساطين العلم في بلاد المغرب ومصر وهند وباكستان، وفيما يلي بيان لأشهر شيوخه الذين أخذ منهم إجازة عامة في رواية الحديث الشريف موزعين على بلدانهم:
. محدثو وعلماء الحرمين الشريفين: وأبرزهم والده السيد علوي بن عباس المالكي المتوفى سنة )1391ه(، والشيخ محمد بن يحيى بن أمان المكي المتوفى سنة )1387هـ(، والشيخ محمد العربي التباني المكي المتوفى سنة )1390هـ(، والشيخ حسن بن سعيد اليمني المكي المتوفى سنة )1391هـ(، الشيخ حسن بن محمد المشاط، المتوفى سنة )1399هـ(.
. والشيخ المعمر فوق المائة ضياء الدين أحمد بن الشيخ عبد العظيم القادري المدني، والشيخ عبد الغفور بن شاه سيد العباسي المدني النقشبندي، والشيخ ابراهيم النوري، والشيخ سالم شفي، والشيخ محمد نور سيف المالكي المكي، الشيخ السيد إسحق عزوز، والشيخ السيد أمين الكتبي المكي، والشيخ عبد الله بن سعيد اللحجي، المتوفى سنة )1410هـ(. والشيخ محمد ياسين الفاداني، المتوفى سنة )1410هـ(. والشيخ عبد الله حمدوه، والشيخ محمد طاهر الدباغ وآخرون.
. محدثو وفقهاء حضرموت واليمن: ومنهم: الحبيب عمر بن سميط، والحبيب علوي بن عبد الله بن عيدروس بن شهاب التريمي، وولده الحبيب محمد بن علوي بن شهاب، والحبيب عبد الرحمن بن صاحب (سبيل المهتدين) الحبيب عبد الله بن علوي العطاس، والحبيب أحمد مشهور بن طه الحداد، والحبيب علوي بن عبد الله السقاف آل القاضي، والسبد أحمد بن زبارة مفتي اليمن، والمعمر برهان الدين أبو محمد السيد إبراهيم بن عمر بن عقيل باعلوي الحسيني الحضرمي مفتي تَعِز، وآخرون.
محدثو مصر: ومنهم: الشيخ الشريف محمد الحافظ بن عبد اللطيف التيجاني المصري، والشيخ حسنين بن محمد مخلوف مفتي مصر، والشيخ صالح بن محمد الجعفري إمام الجامع الأزهر والمدرس فيه، والشيخ أمين بن محمود خطاب السبكي، والشيخ إبراهيم العاقوري، وآخرون.
محدثو إندونسيا: ومنهم: الحبيب المعمر علي بن عبد الرحمن بن عبد الله الحبشي، والحبيب علي بن حسين بن محمد العطاس صاحب التاج، والحبيب حامد بن محمد بن سالم السري، والحبيب محمد بن أحمد بن زين الحداد، والحبيب شيخ بن سالم بن عمر العطاس، والحبيب سالم بن أحمد بن حسن العطاس صاحب )سنغافورة(، وآخرون.
محدثو الشام: ومنهم: السيد الشريف محمد المكي بن محمد بن جعفر الكتاني مفتي المالكية بدمشق، والشيخ بن محمد مرزوق حبنكة الميداني الدمشقي، والشيخ عبد العزيز بن محمد علي بن عبد الغني عيون السود الحمصي شيخ القراء، والشيخ محمد صالح بن عبد الله الفرفور الحسني الدمشقي، والطبيب الشيخ محمد أبو اليسر بن محمد أبي الخير بن أحمد عابدين الحسيني الدمشقي الحنفي مفتي الديار الشامية.
محدثو المغرب وتونيس والجزائر: ومنهم: الشيخ الشريف عبد الكبير بن محمد الصقلي الماحي الحسيني المغربي، والسيد عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري المغربي، والسيد عبد العزيز بن محمد بن الصديق الغماري المغربي، والشريف محمد المنتصر بن محمد الزمزمي بن جعفر الكتاني، والشيخ الطيب بن المولود بن مصطفى المهاجي الجزائري.
محدثو الهند وباكستان: ومنهم: الشيخ محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي ثم المدني شيخ الحديث بسهارنفور، والشيخ حبيب الرحمن بن محمد صابر بن عناية الله الأعظمي شيخ الحديث في مظهر العلوم مدراسي، والشيخ محمد شفيع بن محمد ياسين العثماني الديوبندي مفتي باكستان، والشيخ المفتي المصطفى بن الإمام أحمد رضا خان البريلوي الهندي، كما حصل السيد محمد على الدرجة العلمية الدكتورة في الحديث النبوي الشريف وعلومه من جامعة الأزهر الشريف، وهكذا أصبح السيد محمد العلم المقصود من شتى بقاع الأرض، إليه تشد الرحال من مختلف البلدان، فكان أستاذا شفيقا، وأبا رفيقا يغذي عقول طلبته، كما يغذي قلوبهم بل يحتضنهم وينفق عليهم ويتولى رعايتهم وتربيتهم، فإذا صاروا دعاة صالحين وعلماء عاملين بثهم في بلدانهم لينشروا العلم ويبثوا النور في أرجاء المعمورة، ولم يثنه كل ذلك الجهد الجسدي والروحي، أو يحول بينه وبين التأليف والتصنيف، إذ توزعت مؤلفاته على مختلف علوم الشريعة ما بين تأليف خالص، أو جمع وتربيب، أو تحقيق وتعليق حتى جاوزت مؤلفاته الستين مؤلفا، تحت يدي منها خمسة وأربعون مؤلفا.
وقد عمل السيد محمد أستاذا بجامعة الملك عبد العزيز بكلية الشريعة بمكة المكرمة من عام (1390- 1399هـ)، كما عين عضوا برابطة العالم الإسلامي.
المبحث الثاني: شخصيته
صفاته الخَلْقية والخُلُقية
أ). صفاته الخَلقية
كان السيد محمد طويل القامة في حسن، ممشوق القوام، معتدل الخلق، مدور الوجه حسن الصورة، بهي الطلعة، واسع الجبين، تتلألأ جبهته نورا، عظيم الكفين، تفوح منه رائحة طيبة، ولم يكن كث اللحية وكان مهيبا في طلعته، تعلوه هيبة ووقار، تغشاه السكينة والوقار، وكان بسّاما تسع ابتسامته أهل مجلسه، لا تفارقه البشاشة، ولا يجد العبوث طريقا إليه، إذا تكلم لفظ الدر من فيه، حسن المنطق عذب الكلام، له وقع في آذان سامعيه، وأثر في قلوب الحاضرين، من رآه بداهة هابه ومن خالطه أحبه، وكان أكثر جلوسه جلوس التشهد في الصلاة، ومشيته مشية العالم الوقور، وكان صوته متوسط الشدة، يسمعه البعيد ولا يؤذي القريب.
وكان رحمه الله تعالى يحب البياض من الثياب ويحرص على ارتدائه وكان يضع نظارة طبية على عينيه، ويلبس عمامة بيضاء وأحيانا خضراء ويتختم في البنصر في اليد اليسرى.
وكان شديد الانتباه لمجلسه لا يغيب عنه من يحضر ومن يغيب ومن يدخل ومن يخرج، لحدة ذكائه، ولم يكن يطيل النظر في وجه من يسأله عن مسألة ما، إذ ما إن يباشره أحد بسؤال ما حتى يرمقه السيد بنظره ثم يحول عينيه عنه ويسرع بالإجابة، وبذلك يجيب السائل ولا يغفل عن الحاضرين.
ب). صفاته الخُلُقية
لعل من أبرز ما يميز العالم العامل من غيره كرم الأخلاق، وطيب السجايا، ولذلك كان السيد رحمه الله من الذين ورثوا أخلاق النبوة التي ليس لها حد فتحصر وإنما أشار إليها القرآن الكريم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4] فلنستنشق عبقا من بعض أزاهير روضة أخلاقه الغناء.
داعية التسامح
في زمن كثر فيه التقاتل على الدنيا وصارت المادية تحكم مجتمعه وتسوس قادته، وتتحكم فيه، قلما نجد من يسمو فوق ذلك كله، فيحرر نفسه من ربقة الماديات، ويطلق العنان لروحه في سماء النقاء، فيكون كالنسمة بل كالنحلة، هكذا كان السيد محمد رحمه الله فلم يكن يسمح أن تقع مشكلة بينه وبين أحد من الناس فضلا عن المسلمين، ثم هو يسمو فوق ذلك فلا يرضى بتكدير الخواطر فمن أعظم أخلاقه التي تنبئ عن طهارة السريرة أنه كان إذا أغضب أحدا -وكان لا يفعل ذلك إلا بالحق- ولو كان المغضب من تلاميذه، فإنه لا يبيت ليلته حتى يتصل به ويسترضيه ويطيب خاطره. وقد حاول السيد رحمه الله في جميع مؤلفاته أن يرسي دعائم التسامح الديني، ويدعو إلى الوئام، ويبث السلام.

جوده وسخاؤه
عرف السيد محمد رحمه الله الكرم والجود والسخاء بقوله: هو الإنفاق عن رضا فيما يعظم نفعه وخطره، أو بذل المال في سبيل من سبل الخير والبر، وفي الجانب التطبيقي نجد السيد رحمه الله جوادا كريما كثير البذل والعطاء، وقد قال الشيخ محمود الإسكنداراني: إن السيدلم يكن يقبل لطلابه -الداخليين- الصدقة، سواء كانت زكاة مفروضة أو غير ذلك، كما لم يرتض لهم الهبات، بل ينفق عليهم من حر ماله، فهو بحق آية عصره، وجوهرة زمانه.
قال السيد عيدروس العيدروس: لم أر مثل السيد في الكرم والإنفاق خاصة على طلبة العلم، مع الخلق الرفيع والأدب البديع.
ولم يكن كرم السيد محمد رحمه الله كرما ماديا فحسب بل كرما معنويا أيضا إذ أعطى لهذه الأمة كل ما لديه من طاقة، فنشر فيها الأذواق الروحية الراقية العميقة ولم يأخذ لنفسه شيئا.
حلمه وأناته
قال الشيخ محمود الإسكنداراني في حلم السيد رحمه الله تعالى: لم يعاتبني ولم يعاقبني على خلاف بيني وبينه ليس من سمته أن يعاقب أحدا من تلاميذه، إذ كان يحب الشباب ويقربهم، وكان لا يظهر غضبه إلا إذا تُعُدي على حق من حقوق الله ورسوله، أما إذا كان التعدي على حقوقه فكانت شيمته الصفح والعفو، وكان كثير العمل بقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، ولا سيما مع خصومه، فقد بلغه أن أحد المنتسبين إلى العلم وهو عبد الله بن سليمان المانع ألف كتابا سماه: (حوار مع المالكي) شتم فيه السيد بأقبح الشتائم، وأفحش الألفاظ، وألصق به أسوأ التهم، وطعن فيه، فطلب من السيد الرد عليه، فلم يزد على أن قال: أنا لا أرد على هذه المهاترات.
فانبرى جماعة من العلماء للدفاع عن السيد محمد رحمه الله، منهم السيد يوسف الرفاعي، فألف كتابا سماه (الرد المحكم المنيع على عبد الله بن مانع).
شجاعته في قول الحق
فمن مواقفه الشجاعة إنه حضر يوما في مجلس الملك فهد رحمه الله، فقام أحد الحاضرين فقال: إن الملك عبد العزيز رحمه الله فتح مكة، فما كان من السيد إلا أن قام فقال: الذي فتح مكة هو سيدنا رسول الله ﷺ، وأما الملك عبد العزيز فقد دخل مكة.
وتجدر الإشارة إلى أن السيد رحمه الله كان محبوبا محترما مقدما لدى الجميع ولا سيما ولاة الأمور لأنه زهد في الدنيا، ولم يقف على أبواب الأمراء والملوك بل هم من احتاج لعلمه، وهذا شأن كبار سلفنا الصالح، قيل لأهل البصرة: من سيدكم؟ قالوا: الحسن البصري فقيل: بما سادكم؟ فقالوا: احتجنا لعلمه، واستغنى عن دنيانا.
وفاؤه
ومن وفائه لوالده السيد علوي رحمه الله ما يأتي:
نشره لسيرته العطرة: فقد حث السيد محمد رحمه الله أخاه السيد عباس حفظه الله وشجعه على جمع ما قيل في حق والدهما من كلمات وقصائد ومرثيات من محبيه ومريديه، والمقدرين لفضله وعلمه داخل بلاده وخارجها، وجمع ذلك في كتاب سمي: (صفحة مشرقة من حياة الإمام السيد الشريف علوي بن عباس المالكي الحسني).
نشره لعلمه: وذلك من خلال جمعه لمؤلفات والده وتحقيقها ونشرها، منها:
فتح القريب المجيب على تهذيب الترغيب والترهيب: قال بتحقيقه تحقيقا منضبطا على وفق الأصول العلمية للتحقيق.
مجموع فتاوى ورسائل الإمام السيد علوي المالكي الحسني: وهو كتاب جمع فيه السيد محمد رسائل والده وفتاواه، واشتمل الكتاب على بعض الرسائل العلمية التي نشرها السيد علوي رحمه الله وبحوثه في مجالسه ومدارسه ومذاكراته ومحاضراته وكان قد كتب السيد محمد رحمه الله كثيرا منها في حياة والده، ثم قام بترتيبها وطبعها.
نفحات الإسلام من البلد الحرام: وهو عبارة عن مجموعة من المحاضرات والدروس التي ألقاها السيد علوي رحمه الله جمعها السيد محمد رحمه الله من أوراقه ودفاتره، كما أخذ كثيرا منها من الأشرطة المسجلة التي جمعها خلال حياة والده، وقد كانت تذاع آنذاك مساء كل خميس، ويوم الجمعة من خلال الإذاعة العربية السعودية وبرنامج نداء الإسلام.
نشره لسيرة شيوخ والده وأسانيدهم: ولم يكتف السيد محمد بالوفاء لأبيه من خلال بره ونشر علمه، بل ارتقى إلى أعلى درجات البر، وهو ما روي عن عبد الله بن عمر (: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: “إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه”، فقد ترجم السيد محمد رحمه الله لشيوخ والده في كتاب سماه (فهرست الشيوخ والأسانيد للسيد علوي بن عباس المالكي).
وأما أخلاقه العلمية فإنه لم يكن يكفر أحدا من مخالفيه، ولا يرميه بالألقاب السيئة، كما لا يحب الجدال ولو في الحق، ولا يحتقر أحدا من طلبة العلم.
المبحث الثالث: مجالسه الموسمية ورحلاته
المطلب الأول: منهجه في مجلسه
كان مجلس السيد محمد غاية في التنظيم وهو يشتمل على فقرات وعلى الترتيب الآتي:
يفتتح مجلسه بتلاوة القرآن الكريم، ثم قراءة سورة يس، قراءة صحيح البخاري.
ثم ينتقل إلى من حضر من العلماء فيأذن لبعضهم أن يلقي محاضرة، ثم يختم ذلك بكلمة منه، ينتقل بعدها إلى المنشدين ولا سيما أخوه السيد عباس فيأذن له بقراءة المولد النبوي والمنقبة الشريفة حتى يحين موعد صلاة العشاء، بعد صلاة العشاء جماعة يدعو كل من حضر إلى طعام العشاء ثم ينصرف كل منهم إلى حاجته.
وهذا منهجه في كل موسم من مواسم الحج التي تبدأ من أول يوم من ذي الحجة حتى السابع منه ويسمى هذا اليوم مجلس توديع الحجاج، لأنهم يخرجون إلى منى من أجل الحج وشهود الموسم. وكان هذا منهجه منذ أن جلس مجلس والده سنة (1970م – 1391هـ) وحتى سنة (2004م – 1425هـ).
ولم تكن مجالس وعظه مقتصرة على أيام المواسم بل كانت له مجالس في جميع المناسبات الدينية لا سيما المولد النبوي الشريف، والإسراء والمعراج، والهجرة النبوية الشريفة كما كانت عنده مدرسة في بيته يقصدها طلبة العلم الشرعي من داخل المملكة وخارجها ولا سيما دول شرقي آسيا كإندونسيا وماليزيا. وكان مجلسه مزينا بصور المسجد النبوي الشريف. وقد كان يستقبل الفقراء في مجلسه ويكرمهم، كما كان هناك من يصور مجالسه ويوثقها من تلاميذه، أو من زائريه من القنوات الإعلامية الفضائية.
المطلب الثاني: رحلاته
رحل السيد رحمه الله في طلب العلم الي مصر والمغرب وسوريا والهند وباكستان، واستفاد كثيراً من هذه الرحلات من اطلاع على علم وقراءات وأحاديث جليلة واطلاع على آراء متنوعة من كل المذاهب وجمع للمخطوطات ولقاء الرجال ومعرفة الآثار وزيارة المشاهد وكتابة الفوائد.
وكانت للسيد رحمه الله رحلات متعددة شملت كثيرا من بلدان العالم الإسلامي نفع بها المسلمين، فكانت له رحلات من أجل الدعوة إلى الله إلى بلدان شرقي آسيا كإندونسيا وماليزيا كما افتتح بها المدارس والمعاهد المتخصصة بتدريس علوم الشريعة الغراء، وكان لسان حاله يقول:
ياغيث تسقي كما نسقي على ثقة

أنت الحقول ونحن الأنفس الزهرا

نداك يربي لعيش الناس بلغته

أما ندانا فيحيي القلب والفكرا

وأول زيارة له إلى إندونسيا كانت حوالي سنة (1975م) ثم زارها ثانيا حوالي سنة (1980م) ثم (1985م) ثم..؟ ثم..؟ ثم أخيرا (1998م) وزار بلاد ماليزيا وبرونى أكثر وأكثر كل ذلك لأجل الدعوة إلى الله وافتتاح المدارس والمعاهد الشرعية والحمد لله وجزاه عنا خير جزاء.
ولقلة المصادر التي بين يدي حول رحلاته سأقتصر على ثلاث رحلات:
الرحلة الأولى: في عام (1400هـ \1980م) سافر السيد محمد إلى مدينة فاس بالمغرب العربي حيث شارك في ندوة الإمام مالك التي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خلال الأيام (25، 26، 27، 28) نيسان – (9، 10، 11، 12) جمادى الثانية، فألقى محاضرة قيمة وشارك في إضفاء الروح العلمية على الندوة، وناقشت محاضراته الشبهات التي أثيرت حول الموطأ، وكل ما يتعلق بهذه المسألة من تفاصيل وجميع ذلك في ستين صفحة، فذاع صيته في تلك البلاد وانتفع أهلها من علومه.
الرحلة الثانية: في أوائل عام (1420هـ) زار لبنان واجتمع بجملة من صفوة العلماء، قال: وعلى رأسهم سماحة العلامة الشيخ محمد رشيد راغب قباني مفتي الجمهورية اللبنانية، والمستشار القاضي محمد أحمد كنعان، والشيخ الدكتور عبد الناصر عبد الله جبري عميد كلية الدعوة الإسلامية، الشيخ الدكتور عبد الرحمن ديب الحلو عميد كلية الشريعة ببيروت. وقد طلبوا منه أن يسمعهم الحديث المسلسل بالأولية وبعض المسلسلات، ثم عقدوا مجلسا علميا عظيما في قاعة المحاضرات بكلية الشريعة حضره جمع كبير من العلماء والطلاب، وممن حضر المسند المعمر الشيخ حسين أحمد عسيران تلميذ سيدي محمد العربي العزوزي. قال السيد رحمه الله: وقد طلبوا مني أن أسمعهم بعض الأحاديث المسلسة ثم قرؤوا علي أوائل الكتب الحديثية وهي: الموطأ، والصحيحان، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ثم طلبوا مني أن أحرر لهم ثبتا موجزا مختصرا شاملا لما لا بد منه فحررت لهم ثبتا مختصرا يشتمل على أشهر مشايخي وبعض الأحاديث المسلسلة، وأسانيدي إلى الموطأ والكتب الستة، وأسانيدي إلى أشهر كتب الأثبات، وختمته بوصية نافعة إن شاء الله.. وقد أجزنا هؤلاء الإخوان الذين ذكرناهم وجميع من حضر مجالسنا، أو طلب مني الإجازة مشافهة أو مكاتبة إجازة عامة تامة.
الرحلة الثالثة: وقد أخبر عنها السيد أحمد بن السيد محمد إذ قال: آخر سفرة لوالدنا العظيم كانت إلى مدينة فاس في المغرب العربي وذلك في شهر شعبان المعظم من عام 1425 هـ، وقد قصد زيارة قبر جدنا إدريس ( وقال فيه قصيدة من عيون شعره، منها:
سلام على فاس ومن حل في فاس

سلام كعرف الورد فاض بأنفاسي

سلام على القطب العظيم الذي أتى

إلى الغرب إدريس فكان على الرّاس

أتاهـم بكـل الخير من إرث جـده

هـداهم به من غير حرب ولا باس

المبحث الرابع: وفاته وكراماته
المطلب الأول: وفاته
نقل إلى مستشفى (العيون) في ليلة المنتصف من شهر رمضان المبارك من عام (1425ه) إثر زكام أو ما شابه ذلك، ثم لم يمكث في المستشفى إلا قليلا ثم أصرّ على مغادرته وعلى مسؤوليته قائلا للطبيب: إني أريد أن أموت بين تلاميذي، فرجع إلى بيته في ساعة متأخرة من الليل.
قال تلميذه أبو زبيبة: فبقينا معه في مجلس سمر حتى مضى هزيع من الليل، وقاربت الساعة أن تبلغ الثالثة سحرا، فقال: انصرفوا فعدت إلى بيتي، فما هي إلا لحظات حتى رنّ الهاتف: أن ألحق عمك السيد، فرجعت فزعا مبهوتا فوجدته قد غادر هذه الدار والتحق بدار القرار، وكان ذلك ليلة الجمعة خامس عشر من شهر رمضان المعظم.
وفي صباح ذلك اليوم غسل جسده الطاهر الطيب ثم كفن ولما حضرت صلاة العشاء أحضر جسده الشريف إلى المسجد الحرام فكان قدومه كالغيث سقى القلوب، فغشيت الحاضرين السكينة -إلا من كان في قلبه إعراض أو اعتراض- وقد صلى عليه إمام المسجد الحرام الشيخ السبيل ثم حمله المشيعون إلى مثواه الأخير.
وكان لجنازته مشهد عظيم وموكب مهيب، ذرفت فيه العيون، إذ لم يشهد البلد الحرام مثل ذلك المشهد منذ ثلاثة عقود أو أكثر -إلاّ ما كان في جنازة والده السيد علوي رحمه الله- فقد وصلت الجنازة وأوائل المشيعين إلى المقبرة، وكان أواخر المشيعين قد اكتظ بهم الحرم الشريف، وقد امتلأت المسافة بين المسجد الحرام والمقبرة واكتظت شوارعها بهم، مما أذهل الحاضرين.
وقد دفن إلى جانب والده على بعد أمتار من ضريح جدته خديجة الكبرى رضي الله عنها التي طالما كان يتغني بذكرها، ولا يسعنـي هنا إلا أن أخاطب السيد رحمه الله وهو في هذا الجوار الكريم في مقبرة الحجون بقول السيد جعفر الميرغني:
قف بالحجون سويعةً ياحادي

واقرِ السلام أهيل ذاك الوادي

وأنخ ركاب الشوق في سوح العلا

سوح الكرام السادة الأمجاد

واقصد هناك فريدة الحسـن اللتى

حـوت الفخار بسـيد العــباد

وقل الســلام عليك يا أم الورى

زوج الرســـول الهاشمي الهادي

رحم الله ذلك السيد المبارك العالم العامل، الصالح التقي النقي، الذي حوّل العلم إلى عمل، فقد بكته القلوب قبل العيون وتقرحت لفراقه الجفون، وإنا على فراقه لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الله: إنا لله وإنا إليه راجعون..
المطلب الثاني: نبذة من كراماته
عقيدة أهل السنة والجماعة: أنه يجوز ظهور الكرامات على الأولياء، وجعلوها دلالة على الصدق في أحوالهم كما كانت معجزات الأنبياء دلالة على صدقهم في دعاويهم، وقالوا: على صاحب المعجزة إظهارها والتحدي بها، وصاحب الكرامات لا يتحدى بها غيره وربما كتمها، وقال الإمام الشعراني رحمه الله: وأجمع القوم أن كل من خرق العادة بكثرة العبادات والمجاهدات لا بد له أن يخرق العادة إذا شاءه، وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله يقول: ومن أصدق دليل على صحة طريق الصوفية وإخلاصهم في أعمالهم ما يقع على أيديهم من الكرامات والخوارق.
والسيد محمد على جلالة قدره وعظم منزلته لم يكن يعبأ بالكرامات وخوارق العادات شأنه في ذلك شأن كل الصالحين ابتداء من الصحابة ( حتى زمننا، ولكن الكرامات كانت ترافق السيد أيضا أينما حلّ وارتحل، وأعظم كرامة هي الاستقامة على شرع الله، وهو ما تميز به السيد طوال سني حياته المباركة فقد قال الشيخ أسامة سعيد منسي أن السيد محمدا رحمه الله قال له: يا أسامة أنا منذ ثلاثين سنة ما صليت إلا في جماعة في الحضر والسفر، ولو كنت مستقلا الطائرة، وقد حدث لي ذلك في إحدى سفراتي.
قال الدكتور حمد عبد الكريم في كتابه المذكور: وقد أخبرني السيد أحمد فتاح الفيتوري -وهو من ليبيا- أنه كان مسجونا عام (2002م)، وفي إحدى ليالي ذلك العام رأى السيد محمد في المنام فبشره بقرب الفرج، فلم يلبث أن أفرج عنه.
وأخبرني الشيخ محمد فريد بن حسين أن السيد محمدا كان يشعر بقرب أجله، فمنذ الثلاثة الأعوام الأخيرة في حياته أوعز إلى تلاميذه أن يلقي كل واحد منهم درسا في الحديث تدريبا لهم على الشجاعة الأديبة والفصاحة البيانية، ليتهيؤوا لإدارة مجالس العلم بعد ارتحاله. وأخبرني الشيخ محمود إسكندراني أنه خرج في خدمة السيد قبل وفاته بخمسة أيام إلى مستشفى العيون بجدة، فقال له السيد: إذا أنا مت فإياكم أن تدخلوا علي أحدا، وأخبرني الشيخ أحمد موسى أن السيد رحمه الله قال له: إذا أنا مت فادفني بجنب والدي ولا تدفني فوقه، فقلت له: من يدري من يموت قبل الآخر؟!. فقال: “أقلك” ادفني إلى جنب والدي. ولفظة أقلك بلهجة أهل المملكة تعني: أقول لك.
قال حمد عبد الكريم: ولعلي أذكر بعض بركات مجلسه الشريف فمنها: إنني ومنذ أول حضور لي مجلسه كنت أرى الرحمات والبركات تتنزل على مجلسه، والسكينة تغشاه ما دام منعقدا، وهذه السكينة تصيب جميع الحاضرين فترق أفئدتهم وتنهمر دموعهم، وتسطع وجوههم نورا وتمتلئ نقوسهم حبورا، وتهتز أرواحهم طربا وشوقا إلى الله ورسوله ﷺ، فمن باك متبتل، ومن داع متذلل، ومن خاشع ساكن، ومن مرتق إلى معالي الكمال، ومستغرق في حضرة الجلال، ومن مستأنس بنفحات الجمال، فمجلسه لحظات من السكون والفرار إلى الله، لا سلطان للماديات فيه، بل يشعر كل من حضر أن الله جليسه، وهذه صفة مجلس رسول الله ﷺ، وبركات كل مجلس تنبثق من قائده ثم تعم الحاضرين. ومن كراماته أنني كنت أقوم بعمل من الأعمال الصالحة التي تكون بين العبد وربه ولا يطلع عليها أحد، فإذا أتيته أخبرني بذلك العمل نصا ومعنى.
ومن كراماته أنه منّ الله تعالى عليه بالاجتماع بالنبي ﷺ وبالخضر عليه السلام يقظة بالمدينة المنورة، وأنه لم يسافر إلا بإشارة وإذن من النبي ﷺ أو أهل بيته.
ومن كرامات السيد أنه أخذ وأمسك كف أحد تلاميذه الذين رجعوا إلى بلادهم وتزوجوا وقال: “أولادك ثلاثة ذكور اسم أولهم كذا.. وثانيهم كذا.. وثالثهم كذا..” وتحقق قوله.
ومن كراماته أنه أمر بحفر بئر في ساحة داره في موضع قرب البوابة الشرقية فكانت عينا معينا يفور ماؤها ولم ينضب، كافيا لحوائج عياله وطلابه وضيوفه والحمد لله.
ومن كراماته أنه لم يكن يرغب أن يصلي عليه الشيخ السديس صلاة الجنازة، لأن السديس لم يكن من محبيه، وكان يرغب أن يصلي عليه الشيخ السُّبيل، فحدث ما أحب إذ تخلف الشيخ السديس وانشغل بصلاة البعدية لفرض العشاء، ولم يصل مع الجماعة صلاة الجنازة، ولما سئل: هل صليت على السيد؟ فأجاب: نعم صليت، وهو يعني السنة.
المبحث الخامس: منهجه في التربية
طريقة السيد محمد رحمه الله
قال الشيخ محمد فريد بن حسين “أبو زبيبة”: إن السيد محمدا كان كثيرا ما يقول: التصوف يدور مع العصر، وطريقتي أنا البخاري ومسلم وملازمتي. قال الدكتور حمد عبد الكريم: وفي قوله: “التصوف يدور مع العصر” عدة أمور:
أن منهج التصوف منهج كامل خالد خلود دين الإسلام لا تحول دون استمراره الدهور، ولا تغيره الأزمان ولا العصور.
أن التصوف تنقية لباطن الإنسان وهو أمر لا يستغني عنه أهل زمن من الأزمان ما داموا ينشدون الطمأنينة الدنيوية والسعادة الدائمة الأخروية.
ليس للتصوف طقوس ثابتة لا تقبل الاجتهاد ولا تقبل التغيير بل هو ينظر إلى حاجات كل عصر وظروفه، وفي ذلك ردٌّ قاطع لألسنة المتطاولين الذين يتخذون من عبادات الأقدمين كالخلوات الطويلة مطعنا في التصوف، والسيد رحمه الله يشير بذلك إلى أن مثل تلك العبادات كانت حاجة من حاجات ذلك العصر، وكانت الحياة بسيطة حينئذ مما يسهل تلك العبادات، أما في هذه الأزمنة التي عظمت فيها متطلبات الحياة ومسؤولياتها وحاجاتها وأصبح الإنسان لا يحوز قوت يومه إلا بأدائه للعمل اليومي المستمر، فقد انتفت الحاجة إلى الخلوات الطويلة، وأظهر أئمة التصوف -منهم السيد- طرقا جديدة توصل إلى نفس المقصود وهو تزكية النفس ولكنه من طريق آخر هو ثابت بنص القرآن قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37]. ومعلوم أن التجارة والبيع الحلال لا يجوز أن يغلب ويطغى على ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما قال السيد لأحد طلابه الذين يستأذنونه في الرجوع إلى بلادهم: “لا تغلب التجارة على العلم”.
وأما قوله: وطريقتي البخاري ومسلم وملازمتي فإنه يشير إلى ركنين أساسيين: أحدهما: البخاري ومسلم، وهما غنيان عن التعريف ويريد السيد رحمه الله بذلك كتب الحديث، ويؤكد على الأساس العلمي للمريد ووجوب التزامه بالسنة فهي طريق الفتح.
وأما قوله “ملازتمتي”: فيعني الصحبة وحضور مجالسه ولا يخفى ما للصحبة من أثر عميق في نفوس المريدين، قال الشيخ عبد القادر عيسى: “إن للصحبة أثرا عميقا في شخصية المرء وأخلاقه وسلوكه والصاحب يكتسب صفات صاحبه بالتأثير الروحي والاقتداء العملي، والإنسان اجتماعي بالطبع، لا بد أن يخالط بالناس، ويكون منهم أخلاء وأصدقاء، فإن اختارهم من أهل الفساد والشر والفسوق والمجون انحدرت أخلاقه وانحطت صفاته تدريجيا دون أن يشعر حتى يصل إلى حضيضهم ويهوي إلى دركهم. أما إذا اختار صحبة أهل الإيمان والتقوى والاستقامة والمعرفة بالله تعالى فلا يلبث أن يرتفع إلى أوج علاهم ويكتسب منهم الخلق القويم والإيمان الراسخ، والصفات العالية والمعارف الإلهية”.
صورة من خبرته في أخلاق الناس الباطنة
وقد كان السيد رحمه الله يحذر مرارا من العجب والكبر، قال: والعجب هو بداية خطيرة لأقبح خلق نهى عنه الإسلام وحذر منه، إنه الكبر الذي تميز به أول كافر من الخلق وهو: إبليس، حيث رأى أنه خير من آدم وأعجب بعمله وكان له فيه رصيد كبير واجتهاد عظيم. قال السيد حمد عبد الكريم: وهذا العجب هو الذي دعاه إلى رؤية نفسه فــــــ: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ [الأعراف: 12]، وإلى احتقار آدم والاستهانة به ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، فتكبر وكان من الكافرين كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34].
ثم بين السيد رحمه الله حقيقة الكبر وعلامته فقال: والكبر إنما يكون في القلب ولكن له علامات في الظاهر تدل عليه، فمنها حب التقدم على الناس وإظهار الترفع عليهم وحب التصدر في المجالس، والتبختر والإختيال في المشية، والاستنكاف من أن يرد عليه كلامه وإن كان باطلا والامتناع من قبوله والاستخفاف بضعفة المسلمين ومساكينهم. ومنها تزكية النفس والثناء عليها، والفخر بالآباء من أهل الدين والفضل، والتبجح بالنسب، وذلك مذموم ومستقبح جدا، وقد يبتلى به بعض أولاد الأخيار ممن لا بصيرة له ولا معرفة بحقائق الدين، ومن افتخر على الناس بنسبه وبآبائه ذهبت بركتهم عنه.
خلفاؤه ومريدوه
إن أعظم ثمرة خلفها السيد محمد رحمه الله للأمة الإسلامية ولده البار التقي الصالح السيد أحمد حفظه الله إذ تصدر مجالس والده في داره الرصيفة، وحل محله في مدرسته المباركة من أجل التعليم، وإرشاد الناس إلى الحق وأعان خليفته السيد أحمد المذكور في ادارة شؤون الطلبة داخليا وخارجيا بقية إخوته المباركين.
وأما مريدوه فكثيرون ويقطن قسم كبير منهم داخل المملكة والباقون يتوزعون على مختلف البلاد العربية والإسلامية، وسنذكر جماعة من أبرز مريديه: الشيخ أحمد أديب حسون، وهو من علماء سوريا، الأستاذ محمود إسكندراني، وهو من المملكة، وقد صحب السيد منذ عام (1386هـ)، الشيخ إبراهيم شعيب وأصحابه من أهل نيجريا، الداعية الكبير السيد علي الجفري وصاحباه السيد عبد الله فدعق والسيد نبيل الغمري المكيان، الشيخ أسامة سعيد منسي، وهو من أهل مكة ويعمل مدرسا للقرآن الكريم، الشيخ محمد فريد حسين أبو زبيبة وهو من المملكة، السيد محمد بن حسين العيدروس المكي وهو ختنه، جميع أولاده وأختانه وأحفاده الذين أدركوا تدريسه وجميع أولاد أخيه السيد عباس بن علوي المالكي وأخواتهما، السيد عيدروس العيدروس البانقيلي مولدا ومنشأ المكي اقامة واستقرارا، الكياهي محمد إحياء علوم الدين مدبر معهد نور الحرمين والأمين العام لهيئة الصفوة المالكية بإندونيسيا، الحبائب أحمد بن سالم باركوان الحسني وأحمد بن محمد الحداد وأبو بكر العطاس الجاكرتاويان، والكياهي المرحوم عبد المعز بن ترمذي البوندووسويان، الحبيبان المرحوم عبد القادر الحداد والمرحوم محمد بن حسين العطاس جاكرتا، الكياهي علي كرار سامفانج مادورا إندونسيا، الحبيب أحمد بن حسين السقاف بانقيل فاسوروان، الحبيبان صالح بن أحمد العيدروس ومحمد بن عيدروس الحداد مالانج، الحبيب عبد الله باقر العطاس والحبيب طاهر بن عبد الله الكاف فكالوعانج وأخوه الحبيب حامد الكاف جاكرتا وغيرهم .كثير

Tinggalkan Balasan

Isikan data di bawah atau klik salah satu ikon untuk log in:

Logo WordPress.com

You are commenting using your WordPress.com account. Logout / Ubah )

Gambar Twitter

You are commenting using your Twitter account. Logout / Ubah )

Foto Facebook

You are commenting using your Facebook account. Logout / Ubah )

Foto Google+

You are commenting using your Google+ account. Logout / Ubah )

Connecting to %s