الكشف والتبيين عن قوله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين

???????????????????????????????

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل نبيّه محمّدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نكون بها من عباده الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيّد المرسلين وإمام المتقين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فقد كلّفني مشيخة «معهد منبع الفتوح» الكائن بقرية بجي جنو التابعة لمحافظة طوبان بأن ألقي المقالة على حضور الحلقة العلميّة التي يعقدونها يوم الثلاثاء 25 شعبان 1421هـ، فاستخرت الله في هذا الصدد الجليل الثقيل فشرح صدري لكتابة ما هو أهمّ وأكبر من موضوع الحلقة الذي هو إعادة مكانة المعاهد الإسلامية وسط المجتمع المتحضر، وذلك الأهم هو بيان تفسير قوله تعالى: )وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين(.

 

وجوب الرجوع إلى كلام الأئمة في المسائل الدينية

وقبل إبداء أي اختيار منّي أو ترجيح في هذا الموضوع ينبغي أي يجب عليّ أن أنقل إليكم أقوال المفسّرين المتقدمين والمتأخّرين من العلماء المشهورين بالثقة والأهليّة في علم التفسير للقرآن الكريم. وهذا النقل والاستفادة من أقوال العلماء هو مسلك جميع أهل السنة في الأيام الخالية والأعوام الماضية، ولا زال هذا دأبا جاريًا لبعض الذين ينتسبون إلى طريقة أهل السنة والجماعة في هذه الأيام التي خفيت فيها الحقائق، واختلط فيها الحق والباطل، واندمج الإسلام في الكفر وبالعكس، والتبس الإيمان بالنفاق فصار الكياهي شقيق أو صديق القسيس أو البيكسو، وصار الإسلام هو الاشتراكي أو الشيوعي وبالعكس، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

فلا ينجو ولا يسلم في هذا العصر المظلم الحالك إلا من أحياه الله بالعلم والعقيدة الصحيحة والاعتقاد الجازم بفضل الإسلام على غيره من الأديان وبحقيته وبطلان سواه وإن كان سماويّا لحصول التحريف فيه وبرجحان السلف على الخلف وبفضل الصحابة على من بعدهم وبطهارة أئمة أهل البيت النبويّ من خرافات الشيعة وأكاذيب الرافضة وبفضل المذاهب المتقدمة وأصحابها على المذاهب المتأخّرة ورجالها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بادرُوا بالأعمال [الصالحة] فتنا»، وفي رواية: «ستكون فتن كقطع الليل المظلم القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض [يسير] من الدنيا»، وفي رواية: «لا ينجو منها إلا من أحياه الله بالعلم». وفي حديث آخر: «سيأتي زمان يخير فيه أحدكم بين العجز والفجور، فإذا أدرك ذلك فليختر العجز على الفجور» أو كما قال.

وهذا النقل أي أخذ الإجابات من عبارات الكتب المتقدمة الموثوق بها في عرف العلماء المعبر عنها بالكتب المعتبرة، وهو عادة أهل المعاهد الدينية السلفية في ربوع بلادنا إندونيسيا فلا يفسرون آية قرآنية ولا يشرحون حديثا نبويا ولا يجيبون عن مسألة فقهية إلا بعد أن طالعوا وقرأوا وأخذوا أقوال العلماء المفسّرين والمحدثين والفقهاء. فإن اتفقت تلك الأقوال في المعنى فذاك، وإلا، فيقولون: اختلف العلماء في تفسير الآية أو شرح الحديث أو حكم المسألة ورجحوا إذا أمكنهم الترجيح والاختيار، وإلا توقّفوا.

وهذا المسلك بلا شك هو أسلم المسالك أوحوطها وهو أولى وأقوَى وأقرب للتقوى لعموم الجهالة في هذا العصر أبناءه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل وتشرب الخمور وتسمّى بغير اسمها ويفشو الزنا ويكثر الهرج أي القتل» أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى: )بل هو آياتٌ بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون(، وقال سبحانه وتعالى: )فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون. بالبينات والزبر(.

وهذه الآية وإن نزلت في سؤال أهل الكتاب أي الذي قبل القرآن وهو التوراة والإنجيل والأصيلان قبل تحريفهما بدليل قوله تعالى في أول الآية: )وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم( يستنبط منها بالأولى أو المساوي: إن القول بحكم شرعيّ لا بد فيه أيضا من سؤال أهله وهم العلماء أهل الاجتهاد فيه اللهم إلا إذا ظهر دليل المسألة من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس جليّ، لا احتمال في ذلك الدليل، ولا إجمال، ولا خفاء، فإن الأخذ به لحكم المسألة ليس من باب الاجتهاد والاستنباط، وإنما هو واجب كل مكلف مسلم، قال سبحانه وتعالى: )فإن تنازعتُم في شيءٍ فرُدّوه إلى الله والرسول إن كنتُم تؤمنُون بالله واليوم الآخر. ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً( [النساء:59] أي عاقبة ومآلا.

أما طريقة المتأخّرين الذين يدعون لأنفسهم التقدّم والتمّن أو حرية الفكر والقول من أخذ الأحكام وتفسير القرآن وشرح الحديث تلقائيا من أفكارهم وأهوائهم وميول نفسهم فهي حق المجتهد الذي اغتصبوه منه واستعملوه لأنفسهم وهي طريقة خطيرة جدًا عالية على عقول وأذهان أهل هذا الزمان المحفوفة بالشهوات المأسورة بالمغريات من المعاصي والملاهي والملذّات، وتلك الطريقة هي التي تؤدّي أهلها إلى الضلال والإضلال كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينْزع العلم – أي من صدور أهله – انتزاعًا، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء أو رؤوسا جهّالا، فسئلوا فأفتَوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا» [رواه البخاري].

 

وقوع المفكّرين أدعياء الحرية وأتباعهم في ضلال كبير

ومن نوع هذا الضلال وقد يصل إلى الكفر؛ استدلال بعض المفكرين المعاصرين مثل «مصدر فريد مسعودي» وأمثاله على جواز مناسك الحجّ في غير اشهره المعلومة المنصوصة في قوله تعالى: )الحجّ اشهرٌ معلومات( بحجّة الضرورة أو المصلحة أو نحوهما، وعلى إسقاط الزكاة وإحلال الضرائب محلها بنفس تلك الشبهة الساقطة، وعلى إباحة ربا القروض بأنه ضرورة، والحقيقة أنه يأخذه التجّار رغبة في زيادة الثروة وتحصيل الأرباح الوافرة، فهو من نوع الفضول التي لا تبيح المحظورات وليس من نوع الحاجات والتحسينات فضلاً عن الضرورات. نعم، هو من لوازم من يريد لنفسه الشقاء والهلاك والعذاب في نار جهنم مع أهل الربا والمكس، أو يريد التقدم والتمدن وشرف الغنى على حساب سلامة دينه وعرضه لأنه بإعطائه الفوائد للبنوك المقرضة يقوّي اقتصاد الصهاينة وشوكة الأمريكا والإنكليز ونحوهما أعداء الإسلام والمسلمين.

وربا القروض هي الربا المقصودة في أواخر سورة البقرة؛ 275-280 التي نصّت على تحريمها والتهديد عليها بمحاربة الله ورسوله فاعليها، وتحريمها مجمع عليه كما قاله الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في قضاياه الفقهية المعاصرة. وأجمع علماء الأزهر الشريف على حرمة أخذ وأعطاء الفوائد في البنوك سنة 1965، وجزم الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي الفقيه الداعية الشهير بتحريمه، ولله الحمد قد بلغنا اللهم، فاشهد.

ومثل استدلال بعض الملاحدة على تصويب الأديان كلها بقوله سبحانه وتعالى: )لكم يدنكم ولي دين( مع أن قوله تعالى هذا إنما هو كلمة حاسمة قاطعة في منع التبادل الدياني وحظر المشاركة في العبادات والعقائد وخلطها بين أهل الأديان المختلفة، وعلى تصويب الأديان والملل والنحل أيضا بقوله تعالى: )إن الذين آمنوا والذين هادُوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرُهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يَحزَنون( [البقرة:62] مع أن المنصوص في كتب التفاسير أن هذه الآية نزلت ووردت في المؤمنين المصدقين بنبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة ومن أهل الملل والأديان التي لها كتب سماوية مثل التوراة والإنجيل العاملين بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنها هي الناسخة لجميع الشرائع المتقدمة.

وكذلك استدلال هؤلاء الملاحدة وأذنابهم على أن الإسلام يتقبل جميع المذاهب والأفكار الإنسانية، ويصحح الأديان كلها، ويدخل جميع الناس في الجنة وإن كفروا وأشركوا بقوله سبحانه وتعالى: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(. وهذه الآية استعملوها لإسقاط فريضة الجهاد في سبيل الله وإلغاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الإسلام وشريعته وإبطال فضيلة الحب في الله والبغض في الله أي بغض المشركين والمنافقين والكافرين، فهم يدعون المسلمين إلى موادة وموالاة الكفار لأجل المحافظة على حقوق الإنسان أو الأخوّة البشرية مع أن الله تعالى قد قال في محكم كتابه: )لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضُوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون( [المجادلة: 22]. وقال سبحانه وتعالى أيضا: )يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم( [المائدة: 54].

وهذه الآية وردت في الجيوش الذين بعثهم الخليفتان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لغزو الروم وفارس وفتح أراضيهما وإدخالها في سلطة المسلمين، فالروم أهل كتاب، وفارس مجوس، وقد سماهم الله جميعا كافرين وامتدح هؤلاء الجيوش المحاربين للفرس والروم.

وقيل: نزلت في الجيش الذين أرسلهم أبو بكر لقتال مسيلمة الكذّاب وجماعته من المرتدّين، وقال جل وعلا: )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذُوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين( [المائدة: 51]، وقال جل جلاله: )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذُوا آباءكم وأبناءكم أولياء إن استحبّوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون( [التوبة: 23]. فلا يجوز مداهنة الكفار وإن كانوا كتابيين، ولا موادتهم. وجاز الإحسان إليهم وبرّهم أي التبادل الإحساني الإنساني بيننا وبينهم بشرط عدم حرابتهم وعدم نقضهم للعهود والمواثيق دون علاقة تبادل الاحترام والمحبّة بيننا وبينهم كما نصّ على ذلك ربّنا الكريم في قوله جل جلاله: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحبّ المقسطين(، )إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون( [الممتحنة؛ 8-9].

فآية: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين( استغلها أصحاب الأهواء لإشباع نفوسهم وتحصيل رغباتهم وإرضاء كبرائهم ومستأجريهم من الدعاية إلى الصليبية والصهيونية والشيوعية أو الاشتراكية والعقائد والأعمال الشركية وقبول مذاهب التشيّع والاعتزال كلها وجميع المذاهب سنتها وبدعها وقبول الأفكار العلمانية أي الفاصلة الدين عن الدولة ونحوها مع أن الرحمة الإلهية لا تكون إلا للمحسنين المخلصين العاملين بالكتاب والسنة والملتزمين لتقوى الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: )إن رحمة الله قريب من المحسنين(، وقال جل جلاله: )ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتُبها للذين يتّقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون(، )الذين يتبعون الرسول النبيّ الأمي الذين يجدونه مكتُوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاكم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزّروه ونصرُوه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون( [الأعراف: 156-157].

تفسير آية: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(

قال الإمام القرطبي في تفسيره [الجامع لأحكام القرآن؛ ج11/ص350]: قوله سبحانه وتعالى: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع الناس، فمن آمن به وصدّق به سعد, ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق. وقال ابن زيد: أراد بالعالمين المؤمنين خاصة.

وقال الإمام الشّوكاني في [فتح القدير؛ ج3/ص433]: وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله تعالى: )ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر( قال: القرآن. )أن الأرض( قال: أرض الجنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا: )ولقد كتبنا في الزبور( قال: الكتب. )من بعد الذكر( قال: التوراة، وفي إسناده العوفي.

وأخرج سعيد بن منصور عنه أيضا، قال: الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن. والذكر: الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب الذي في السماء. والأرض: أرض الجنة.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله: )أن الأرض يرثها عبادي الصالحون( قال: أرض الجنة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية، قال: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض أن يورث أمة محمد الأرض، ويدخلهم الجنة وهم الصالحون. وفي قوله: )لبلاغا لقوم عابدين( قال: عالمين، وفي إسناده علي بن أبي طلحة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه: )إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين( قال: الصلوات الخمس.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في قول الله )إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين( قال: في الصلوات الخمس شغلا للعبادة».

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية )إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين( قال: هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعةً».

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين( قال: من آمن تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة. ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب من الخسف والمسخ والقذف.

وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: «قيل: يا رسول الله ادعو الله على المشركين، قال: «إني لم أبعث لعّانا، وإنما بعثت رحمةً».

وأخرج الطيالسي وأحمد والطبراني وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدًى للمتقين».

وأخرج أحمد والطبراني عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي أو لعنته لعنة فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليه صلاة يوم القيامة».

وأخرج البيقهي في الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا رحمة مهداة» وقد روي معنى هذا من طرق. اهـ.

قال الإمام الخازن: )ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر(، قيل: الزبور جميع الكتب المنزلة على الأنبياء، والذكر هو أم الكتاب الذي عنده. ومن ذلك تنسخ جميع الكتب. ومعنى )من بعد الذكر( أي بعد ما كتب في اللوح المحفوظ. وقال ابن عباس: الزبور التوراة، والذكر الكتب المنزلة من بعد التوراة. وقيل: الزبور كتاب داود، والذكر هو القرآن و«بعد» هنا بمعنى قبل.

)إن الأرض يرثها عبادي الصالحون( يعني أن أرض الجنة يرثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ في كتب الأنبياء أن الجنة يرثها من كان صالحا من عباده عاملا بطاعته. وقال ابن عباس: أراد أن أراضي الكفار يفتحها المسلمون، وهذا حكم من الله سبحانه وتعالى بإظهار دينه وإعزاز المسلمين. وقيل: أراد أرض المقدسة يرثها الصالحون بعد من كان فيها )إن هذا( في القرآن )لبلاغا( أي وصولا إلى البغية يعني من ابتع القرآن وعمل بما فيه وصل ما يرجو من الثواب. وقيل: البلاغ الكفاية أي فيه كفاية لما فيه من الإخبار والوعد والوعيد والمواعيظ البالغة فهو زاد العباد إلى الجنة وهو قوله تعالى: )لقوم عابدين( أي مؤمنين لا يعبدون أحدًا من دون الله تعالى. وقيل: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان والحج. وقال ابن عباس: عالمين، وقيل: العالمون العاملون.

قوله عزّ وجل: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين( قيل: كان الناس أهل كفر وجاهلية وضلال وأهل الكتابيين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مدتهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الصواب وشرع لهم الأحكام وبين الحلال من الحرام. قال الله تعالى: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين( قيل: يعني المؤمنين خاصة فهو رحمة لهم. وقال ابن عباس: هو عام في حق من آمن ومن لم يؤمن. فمن آمن فهو رحمة له في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنه ورفع المسخ والخسف الاستئصال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا رحمة مهداة». اهـ [تفسير الخازن؛ ج3/ص278-279].

قال الإمام ابن كثير: وقوله: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين( يخبر الله تعالى أن الله جعل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين أي أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردّها وجحدها خسر الدنيا والآخرة كما قال تعالى: )قل هو للذين آمنوا هدًى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ وهو عليهم عمًى أولئك ينادون من مكان بعيد(.

وقال مسلم في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر حدثنا مروان الفزاري عن زيد بن كيسان عن ابن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله ادع على المشركين، قال: «إنّي لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة». انفرد بإخراجه مسلم. وفي الحديث الآخر: «إنما أنا رحمة مهداة» رواه عبد الله بن أبي عوانة وغيره عن وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا، وأورده ابن عساكر من طريق الصلت عن ابن عمر قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله بعثني رحمة مهداة بعثت برفع قوم وخفض آخرين».

وروى الإمام أحمد قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأقتلنهم ولأصلبنهم ولأهدينهم وهم كارهون إني رحمة بعثني الله ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب».

وروى الإمام أحمد أيضا عن سلمان الفارسي أنه قال لحذيفة: يا حذيفة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: «أيما رجل سببته في غضبي أو لعنته لعنة فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما تغضبون، وإنما بعثني الله رحمة للعالمين فاجعلها صلاة عليه يوم القيامة» ورواه أبو داود. اهـ [تفسير ابن كثير؛ ج3/ص201-201] باختصار وحذف للأسانيد.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: أما قوله تعالى: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين( ففيه مسائل:

المسألة الأولى: أنه عليه السلام كان رحمة في الدين والدنيا؛ أما في الدين فلأنه صلى الله عليه وسلم بعث والناس في جاهلية وضلالة، وأهل الكتابيين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم، فبعث الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب، فدعاهم إلى الحق وبيّن لهم سبيل الثواب، وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام. ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار، وكان التوفيق قرينا له قال الله تعالى: )قل هو للذين آمنوا هدًى وشفاء( إلى قوله )وهو عليهم عمًى( [فصلت: 44].

وأما في الدنيا فإنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب ونصروا ببركة دينه. فإن قيل: كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال؟، قلنا: الجواب من وجوه:

[أحدها]: إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبّر، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم ثم هو منتقم من العصاة. وقال: )وأنزلنا من السماء ماء مباركا([ق:9] ثم قد يكون سببا للفساد.

[وثانيها]: أن كل نبي قبل نبينا كان إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق وأنه تعالى أخّر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة، قال تعالى: )وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم( [الأنفال]، لا يقال: أليس أنه تعالى قال: )قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم( [التوية: 14] وقال تعالى: )ليعذّب الله المنافقين والمنافقات( [الأحزاب:73] لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه. اهـ [تفسير الكبير؛ ج22/ص199-200].

وقال الإمام الطبري: وقوله تعالى: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين( يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة لمن أرسلناك إليه من خلقي. ثم اختلف أهل التأويل في معنى الآية، وذكر القولين المذكورين في تفسير القرطبي السابق، ثم قال: وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي روي عن ابن عباس وهو أن الله أرسل نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فالله هداه به وأدخله بالإيمان به وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قبله.

أقول: فهذه الآية لا تنفي عذاب الله وهو الخلود في نار جهنم المعدّة للكافرين المنصوص في مثل قوله تعالى: )والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون( [البقرة: 257] وقوله تعالى: )إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البريّة( [البينة: 6].

وقال الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي في [التفسير المنير: ج17/ص146]: في اختتام سورة الأنبياء دلالات ظاهرة وحجّة بينة على الحق الأبلج، وهي:

1). أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين الذي توّج الله برسالته رسالات الأنبياء المتقدمين رحمة لجميع الناس، فمن آمن به وصدّق بدعوته سعد، ومن لم يؤمن سلم في الدنيا مما لحق الأمم من الخسف والمسخ والغرق وعذاب الآخرة وخسر الآخرة خسرانا مبينا … إلى أن قال …. يقوم شرع الله ودينه على عقيدة التوحيد الخالص من شوائب الشرك وعلى العدل، فالله تعالى يقضي بالحق وينصر أهل الحق والإيمان بالله ويخذل الظلمة والكفار ويدحر الظلم وأهله … إلى أن قال … ويدعو إلى الرحمة والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. وهذه أصول الحضارة الصحيحة ونواة الديموقراطية السديدة. اهـ.

وقال في ص143 في بيان مناسبة الآية لما قبلها: بعد بيان قصص الأنبياء المتقدمين وبعد الإعلام بأن القرآن بلاغ ومنفعة وكفاية للعابدين أخبر الله تعالى عن سبب بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه رحمة للعالمين في الدين والدنيا؛ أما في الدين فبتخليصهم من الجاهلية والضلالة، وأما في الدنيا فبالتخليص من كثير من الذل والقتال والحرب والنصر والعلو ببركة دينه، وأما مجيئه صلى الله عليه وسلم بالسيف أيضا فهو لتأديب من استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر كما أن الله رحمن رحيم وهو أيضا منتقم من العصاة. اهـ.

فكلام الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي هو التفسير الظاهر للآية الكريمة ونعما فسر به الآية فإنه جامع بين القولين فيها، فالرحمة العامة العاجلة حاصلة للمسلمين والكافرين والرحمة الخالصة حاصلة للمسلمين في دار الآخرة ببركة رسالته صلى الله عليه وسلم. وهذا التفسير أيضا موافق لما في التفسير الكبير للفخر الرازي السابق أو منقول منه فليست الآية ناسخة لفريضة الجهاد في سبيل الله وفريضة عدم اتخاذ الكافرين أولياء وأصحابا في القوة السياسية والاقتصادية والثقافية عالمية أو محلية.

 

وجوب مجافاة أعداء الله

أعداء الله هم أولئك الذين عموا وصمّوا عن الحق وضلّوا عن الهدَى وعاندوا الفطرة وكابروا العقل واتبعوا أهواءهم بغير علم فجحدوا وحدانية الصانع جلّ وعلا وصفاته العليّة مع وضوح دلائلها وشهادة الكائنات بها ووصفوه سبحانه بما لا يليق به من الصفات وكفروا به وبرسوله وحنقوا على دين الحق أشد الحنق وبدت منهم العداوةوالبغضاء لله ولرسوله، ولكتابه ولأمته، وابتغوا الفتنة، وأضرموا الحرب ودبّروا الكيد لكل أولئك سفها وضلالا بشتّى الوسائل والمكائد في كل زمان ومكان لا يألون في ذلك جهدا ولا يقفون عند غاية. فواجب شرعا على المسلمين مجافاة هؤلاء الأعداء بعدم الركون إليهم والاعتماد عليهم، والثقة بهم، ومصافاتهم، وموالاتهم، واتخاذهم وليجة وبطانة، قال تعالى تحذيرا من فتنهم وتوقيا من شرورهم: )ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون(، )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة( )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا( )إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين( )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينّا لكم الآيات إن كنتم تعقلون(.

نهى الله تعالى في هذه الآية المؤمنين في كل زمان ومكان أن يتخذوا من غيرهم خواص يباطنونهم بأسرارهم ويكاشفونهم بدخائلهم ويدلونهم على خفايا أمورهم لأنهم )لا يألونكم خبالا( لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشريعة الإسلامية، والفساد والضر إلى آخر أوصافهم المذكورة في الآية.

وفي الحديث: «من أحبّ قومًا حشره الله في زمرتهم» [أخرجه الطبراني في الكبير] إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث في هذا الموقف الخطير الذي يجب فيه على المسلمين اليقظة والتبصّر، والحذر والتدبّر، كي لا يتمكن أعداء المسلمين من توهينه وإضعاف شوكته وبسط سلطانهم على أمته وحملها على موالاتهم، والاستنصار بهم ومصافاتهم وذلك أقصى أمانيهم والله لا يهدي كيد الخائنين.

والله الموفق والهادي من يشاء إلى سبيل الحق

وصلّى الله على سيدنا محمد

وعلى آله وصحبه وسلم

والحمد لله رب العالمين

كتبه

محمد نجيح بن ميمون

يوم الأربعاء 19 شعبان 1421 هـ

بمسكنه الشرقيّ الشمالي من معهد الأنوار بسارانج

Tinggalkan Balasan

Isikan data di bawah atau klik salah satu ikon untuk log in:

Logo WordPress.com

You are commenting using your WordPress.com account. Logout / Ubah )

Gambar Twitter

You are commenting using your Twitter account. Logout / Ubah )

Foto Facebook

You are commenting using your Facebook account. Logout / Ubah )

Foto Google+

You are commenting using your Google+ account. Logout / Ubah )

Connecting to %s