الشذرات اللماعة في بعض أصول أهل السنة والجماعة

???????????????????????????????

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي وفق من اصطفاه واجتباه للتفقه في دينه الحنيف الذي أجل علومه هو معرفة عقائده وأصوله من بين أحكام الشرع المنيف، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله شهادة تنجي قائلها من كل هول مخيف. وصلاة الله وسلامه على سيدنا محمد الذي هو أجل حبيب إلى ربه وأشرف شريف. وعلى آله وصحبه وتابعيه إلى يوم جزاء الحكيم اللطيف.

   أما بعد: فقد طلب مني إدارة اتحاد الطلبة الكرام الذين يدرسون ويتعلمون العلوم الدينية الإسلامية بالمدرسة “مفتاح الفلاح” السنورية الطوبانية، بارك الله فيها وفي أساتيذها وطلابها وكذلك سائر المدارس والمعاهد السنية السلفية آمين أن ألقي إليهم محاضرة علمية وبحثا منصفا عن حقيقة أهل السنة والجماعة وليس عندي كبير علم في هذه القضية الجليلة ولا كثير عدد من المصادر والمراجع المعتمدة ولكن رجاء لدعائهم والتماسا لبركة الأخوة العلمية الدينية أجبتهم إلى طلبتهم وبادرت إلى تلبيتهم فأقول وبالله التوفيق والإعانة وعلى نبيه الصلاة والسلام في كل آونة:

   اعلم أن شرط معرفة الحقائق العلمية الرجوع إلى أهلها الخبيرين بها الغواصين في دقائقها وأسرارها الذين قد انتهوا من البحث عن خباياها وزواياها.قال تعالى: ) فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. بالبينات والزبر (. وأهل الذكر في هذه  الأمة المحمدية هم العلماء الفقهاء الحكماء الأخيار الذين قد تربوا وأخذوا واستفادوا ممن أدركوه من الشيوخ الأجلاء وهكذا مشايخهم أخذوا عمن قبلهم حتى ينتهي السند المتصل المتسلسل إلى الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين فإلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال صلى الله عليه وسلم: ) إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم (2) { . وقال: } يحمل هذا العلم من خلف عدوله (3) {. وهذه قاعدة مطردة في جميع فنون العلم سواء الديني والدنيوي وسواء العقلي والحسي. وقد تفضل الله وأنعم على العالمين والناس عموما وعلى الأمة الإسلامية خصوصا بإنزاله سبحانه وتعالى كتابه الحكيم وتكليفه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بيان الكتاب قولا وفعلا وعملا وتقريرا. فسنته صلى الله عليه وسلم وحدة واحدة لتفسير وتبيين القرآن العظيم كما قال تعالى: } وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم {. (سورة النحل : 44). وقال تعالى: } لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثير {. (سورة الأحزاب: 21)، وقال تعالى: ) وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا {. (سورة الحشر: 7)، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: ” (كان خلقه القرآن(4) )” أي يمتثل صلى الله عليه وسلم أوامر القرآن وينتهي عن نواهيه ويتأدب بآدابه )”، وقال صلى الله عليه وسلم: ” أدبني ربي فأحسن تأديبي(5)“.

   فالعلم الديني في الجملة هو معرفة أحكام الله الإعتقادية والعملية والخلقية مأخوذة مباشرة أو بواسطة دقة الاستنباط من كتاب الله وسنة رسوله وقد اصطلح العلماء أهل الاختصاص بعلم الشرع الخبراء فيه واتفقوا على وجوب التمسك بما عليه أهل السنة  والجماعة وأنهم مع اختلاف طبقاتهم وتنوع درجاتهم هم الطائفة الظاهرة على الحق العاضة عليه بالنواجذ الثابتة على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين من بعده وقد كان من سنتهم العمل بأحكام الله التي نص عليها في القرآن أو بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم كدعوة الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والتمسك بمبادئها ولوازمها بكل الطرق والوسائل الصحيحة السليمة وإقامة الصلوات والجمعات في المساجد الجوامع وغيرها وصرف الزكوات إلى مستحقيها الثمانية وإثبات دخول رمضان أو خروجه اعتمادا على الأهلة التي قال تعالى: } ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج {.(سورة البقرة: 189). وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : } صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته (6) { ، وتوضيح مناسك الحج وتأمير الأمراء فيه وتسهيل أمور الرحلة إلى المشاعر المقدسة قال تعالى: } يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا {.(سورة المائدة: 2).

   فأهل السنة والجماعة هم الذين يسيرون في أمور دينهم الشاملة للعقائد والعبادات والمعاملات وشئون القضاء على إرشادات السنة النبوية وتوجيهات جماعة الصحابة  والسلف الصالحين لا يخرجون عنها قيد أنملة ولا يميلون عنها قدر شبر خصوصا في أمور العقائد الحنيفية  أي المائلة عن عقائد سائر الأديان إلى التوحيد الخالص للإله الحق عز وجل والإيمان الكامل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه جل وعلا فأصولهم في العقائد معروفة مشهورة طفحت بها الكتب المخصوصة بهذا الفن وشحنت بها تآليف الأجلاء الكرام منهم إماماهم ومقدماهم في الفن الإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي.

   وخلاصة فكرتهم ومنهاجهم في الاعتقاد هي الدفاع عما عليه النبي الكريم وصحبه الكرام من التوحيد وأفراد العبودية والألوهية لله عز وجل وإثبات جميع صفات الكمال التي نص عليها في القرآن أو الأحاديث الصحيحة مثل السمع والبصر والكلام والقدرة والإرادة والحياة والعلم لله سبحانه وتعالى. والتأويل الإجمالي للنصوص التي ظاهرها إثبات الجوارح لله سبحانه كالوجه والعين واليد والاستواء على العرش وحملها على المعاني الكاملة التي ليست بجسمية ولا تركب ولا تجزئ ولا تحيز ولا احتياج إلى الأبعاض والآلات كما عليه الخلق تعالى الله عن مشابهة خلقه علوا كبيرا لكن يجب علينا إجراء هذه النصوص وقراءتها على ما هي عليه والإيمان بأسمائها وحقائق معانيها الكاملة التي تليق بجلاله وكماله بدون تدخل وتعرض لإثبات الصور والكيفيات المشابهة لما عليه الخلق.

   ومن لوازم وأسس اعتقاد كمال الله في الألوهية اعتقاد حقية كتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر وقضائه وقدره الشامل لكل خير وشر في الكون، فهذه الأشياء الخمسة لا بد أن تكون كاملة غاية الكمال في أجناسها فكتبه تعالى هي سور منزلة من كلامه الذي لا يتقيد بحرف ولا صوت ولا يوصف ببتقديم ولا تأخير ولا تنفد كلماته تعالى لو كتبت بماء البحر ومثله مدادا لها إلا أن الله تعالى بمقتضى رحمته وسعة فضله قد أنزل تلك الكتب السماوية باللغات المختلفة التي أهم أسسها هو الحروف وتراكيبها وجملها ومفرداتها. فالحروف أول شيء علمه الله تعالى أبانا آدم عليه السلام. قال تعالى: } وعلم آدم الأسماء كلها {.(سورة البقرة: 31). وأعظم مقومات الأسماء بلا شك ولا ريب هي الحروف ولا نقول أن الحروف حاثة مخلوقة إلا باعتبار ما تلفظ بها اللافظ ونطق بها الناطق، أما قبل النطق بها وقبل كتابتها وقبل حلولها في القوى الحافظة أو المدركة فليست من الأشياء الحادثة المخلوقة بل من الأمر الإلهي الغيبي والعلم الرباني الذي أعطاه الله لأول أفضل أجناس خلقه آدم عليه السلام ولا نقول بأن الحروف قديمة بالإطلاق لعدم ورود هذا القول في الكتاب ولا في السنة (7)، فنحن متمسكون بما عليه أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد رضي الله عنه القائل: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. وزاد البخاري رضي الله عنه ونفعنا به آمين: “وتلفظنا به مخلوق”. قال إمامنا الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة: “قولنا الذي نقول به وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث فنحن بذلك معتصمون وبما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل قائلون ولمن خالف قوله مجانبون”.

   وملائكة الله تعالى هم عباده المكرمون الذين  } لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون {. (سورة التحريم:6) وهم أجسام نورانية مقسومون إلى طوائف ذات أعداد كثيرة  } وما يعلم جنود ربك إلا هو {. (سورة المدثر: 31). وأجلهم جبريل عليه السلام الذي أنزل الله تعالى بواسطته كتبه على رسله وأجل الكتب السماوية هو القرآن العزيز الحكيم العظيم الذي أنزل بلسان عربي مبين على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أعلى وأجل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، قال تعالى: } تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض {.(سورة البقرة: 253)، وقال: } وكان فضل الله عليك عظيما {.(سورة النساء: 113)، وقال تعالى: } وإنك لعلى خلق عظيم {. (سورة ن:4)، وقال تعالى: } ومن يطع الرسول فقد أطاع الله {. (سورة النساء: 80).

   وهؤلاء الرسل لا بد أن يكونوا أعلى طبقات البشر علما وعملا وليست الحظوظ الدنيوية كالثروة والرفاهية المعاشية معيار الكمال الإنساني كما هو معلوم مع اليقين بأنهم أيدهم ربهم جل وعلا بأنواع المعجزات اللائقة بمقامهم وبمدارك قومهم. وأجل المعجزات وأكبرها هو معجزة  القرآن الكريم ويليه الإسراء والعروج  بجسم وروح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى حيث يكلمه ربه ويفرض عليه وعلى أمته الصلوات الخمس كل يوم وليلة.

فيجب لهم الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة ويستحيل عليهم أضدادها ويجوز لهم العوارض البشرية التي لا تخل بعظمة مكانتهم عند الله وعند الخلق الذين بعثوا إليهم كالأمراض الخفيفة الغير المنفرة. ومن جملة الأمانة أداء الواجبات وترك المحرمات فيستحيل عليهم ارتكاب المحظورات والمحرمات وكذلك المكروهات إلا على سبيل بيان الجواز أي عدم التحريم، والنصوص الواردة التي ظاهرها أن بعض الأنبياء قد ارتكب بعض المحرمات فمؤولة بأن ذلك قبل النبوة على القول بأن العصمة لا تجب إلا بعد النبوة أو وقع بعد النبوة مع النسيان. وفي نظري أنه وقع قبل النبوة ومع النسيان الذي ترفع معه المؤاخذة عن غير الأنبياء. وذلك من آدم وحواء اغترار بمقاسمة إبليس إياهما بالله أنه لهما لمن الناصحين. وقال تعالى: } فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى {.(سورة طه: 20). } وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين {.(سورة طه: 115)، وقال تعالى: } فنسي ولم نجد له عزما { (سورة طه: 122)، وهذه الآية محكمة أي ظاهرة المعنى والدلالة فنرد إليها آية : } وعصى آدم ربه فغوى {. (سورة الأعراف:21)، أي ترك أمر ربه بعدم الأكل من الشجرة ونسي نهيه فضل عن سبيل العزم وقوة الصبر والثبات على الأوامر الإلهية الربانية. والله أعلم.

ثم قال تعالى بعد ذلك: } ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى {. (سورة طه: 121) أي هداه إلى المداومة على التوبة.

   ويوم القيامة الأكبر الآخر من أيام الدنيا وأول مراحل الآخرة هو يـوم الجـزاء

العادل من الله تعالى لعباده من الجن والبشر وهو يوم عظيم هائل مخيف يومئذ لا تقبل الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن وقال صوابا ويحصل في ذلك اليوم كما ورد في النصوص المتواترة الحشر والحساب والميزان والصراط والشفاعة الكبرى التي تولاها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك دخول المؤمنين على اختلاف درجاتهم وبعد الانتهاء من تعذيب عصاتهم الجنة دار الثواب والكافرين النار دار العقاب وكلتاهما خالدة باقية بما فيها من النعيم والعذاب الذين تجاوزا حدود ما يتصوره العقل البشري ويدركه الحس الإنساني في الدنيا. وأجل نعيم الجنة هو النظر إلى وجه الله الكريم والتمتع برؤيته بكرة وعشيا.

وقضاؤه تعالى وقدره كل منهما راجع إلى علمه تعالى القديم وإلى إرادته. وقدرته الكاملتين فلا يشذ عنه شيء في الكون ولا يخرج عن قبضته أمر كائن في العالم فكل أمر واقع من هذه الكائنات إنما هو بقضاء الله تعالى وقدره وكل ما قضاه وقدره في الأزل لا بد من وقوعه وحصوله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه جل وعلا، فيجب علينا الرضا والتسليم الكامل لحكمه تعالى القضائي كما يجب علينا ذلك لحكمه تعالى الشرعي، وقد أمر الله تعالى في كتبه عباده بالتوبة عما جنت أيديهم على أنفسهم، والإقناع عن المعاصي والمحرمات، والندم البالغ على حصولها وفعلها واكتسابها وتقديمها على أنواع الطاعة والعبادات، وتدارك ما فات ومضى من المخالفات بالإكثار من الأعمال الصالحات.

هذا، ولأهل السنة أصول أخرى في العقائد متفق عليها فيما بينهم لا نطيل هذا البحث المختصر بذكرها مفصلة. (منها): اعتقاد أن الصحابة كلهم عدول كرام لا يجوز سبهم ولا الطعن فيهم وأن قتالهم فيما بينهم لا لغرض دنيوي رئاسي محض بل معهم تأويلات جميلة ومحامل دينية أخروية وإن كانت الأصوبية والأحقية في يد الطائفة المبغي عليها المخدوعة بالصلح والتحاكم إلى القرآن وعدالة الرحمن.

(ومنها): أن أهل البيت النبوي أفضل أهل البيوت في الدنيا والآخرة وليسوا بمعصومين وليس لنا نص في حبس الخلافة عليهم وأن احتجاج الروافض بقول النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا على : أنت مني بمنزلة هرون من موسى(8) ليس في محله وليس هذا محل بسطه. (ومنها): أن نصب الإمام الذي يجري أحكام الشريعة المحمدية في دار الأمة المؤمنة واجب فالسعي إلى ذلك أيضا واجب وطرق الوصول إليه وتنفيذه موكولة إلى رأي ووفاق أهل الحل والعقد من العلماء الأفاضل ووجهاء الناس الغيورين على دين الله الحنيف. (ومنها): عذاب القبر ونعيمه وسؤال منكر ونكير فيه ووصول ثواب الأعمال إلى الموتى بالإهداء إليهم وجواز التوسل بالأنبياء والصالحين من غير تخيل أن الله تعالى محتاج إلى وساطتهم لأنهم في قبورهم أرواح طاهرة مستبشرة تستغفر الله لأهلها وتدعو لهم في حدود طاقتها البرزخية. (ومنها): أن بيانات النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الدين والآخرة كلها بل عن أمور الدنيا أيضا بأسانيد صحيحة مقبولة عند المحدثين حق وصدق. قال صاحب العقيدة الغراء:

وكل ما جاء به الرسول   *   فحقه التسليم والقبول

(ومنها): الحظر والمنع من كل بدعة الصقت بهذا الدين الحنيف من أمور العقيدة أو العبادة أو المعاملة التي لا مستند ولا دليل عليها من الشرع الحكيم سواء كانت في الذوات أم في الصفات مع العلم بأن الأصل في المعاملات الإباحة إلا ما كان متعلقا بالأبضاع فالأصل فيها التحريم.

(ومنها):  وجوب احترام العلماء عموما والمجتهدين منهم خصوصا وتتبع أقوالهم والإقتداء بمآثرهم وخطواتهم المباركة كمذاهبهم الأربعة وكتبهم السلفية وآرائهم النيرة وأورادهم وطرائقهم الحميدة واستحساناتهم الاجتماع على الذكر وصلاة التراويح مع تجويز فعلها فرادى وضبط ركعاتها بعشرين مع إباحة الزيادة عليها والنقص عنها بشرط نية الإقتداء بالنبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم وامتثال أوامره المطلقة بالإكثار من الطاعات وقيام الليالي خصوصا قوله صلى الله عليه وسلم : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (9).وكل هذه الاجتهادات ليست من البدع المحرمة بل أخذ بالمصالح المحققة التي بنيت عليها ولأجلها الشريعة الإسلامية الغراء فهي صور رائعة ومظاهر لامعة للإحاطة الواسعة بمقاصد الشريعة البديعة.

   وغير ذلك من العقائد الصحيحة المطلوبة أدلتها من كتب العلماء الأجلاء المطولة المبسوطة التي يجب علينا المحافظة على دراستها والاجتماع في قراءتها كعمل راتب يومي أو أسبوعي في المدارس والمعاهد والمساجد والمصليات وسائر مجالس الخير والذكر لله عز وجل وعقد المباحثات العلمية مستندة إليها والعمل بروحها ومقاصدها مع المسايرة للزمان والمكان في أمر الكيفيات واستعمال الوسائل الحديثية الجائزة ورد أحوال الزمان وأهله إلى جوهر أحكام القرآن والسنة وتوجيهات علماء الإسلام.

   وفي نهاية المطاف لتبيين هذه الحقائق الحقة والأصول الأصيلة من ثوابت الأركان والقواعد الأساسية لأهل السنة والجماعة أقدم الوصية إلى طلابي وأصحابي وأحبابي بأن تكون همتهم الكبرى ونيتهم العظمى في دخولهم غمار هذه الحياة الفانية وفي سيرهم على دروبها الظلماء المغبرة لضيف أنفاس هذه الكرة الأرضية وسكانها وصغر دوائرها في هذه العصور التكنولوجية بوسائل النقل والاتصال وأجهزة الإعلام المملوءة بالبرامج المنحطة والمناظر السافلة الهادمة لكيان الأخلاق الإسلامية المخربة للعقول الإيمانية هي أي تلك الهمة والنية ترسيخ وتركيز مثل هذه الأصول الإيمانية في قلوب الأجيال والشعوب الظامئة المجدبة وجعل تعاليمها وتوجيهاتها مهيمنة  مسيطرة على المفاهيم والتقليد المستوردة من الكفار الغربيين والشرقيين مقروءة مدروسة منفذة في بيوتهم وطلابهم وأصحابهم مع السعي والاحتيال في نشر  معاني الحب والإخاء بين المسلمين لأجل توحيد الخطي في السير على منهاج الله تعالى وصراطه المستقيم.

   وكل هذه الأعمال الصالحة والعلوم النافعة والأهداف المستحسنة داخلة تحت موضوع العبادة التي خلق الجن والإنس  لأجلها، قال تعالى: } وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون {. (سورة الذاريات: 56)، أي ليعرفوني ويؤمنوا بذاتي وصفاتي وأسمائي الحسنى ويتعلموا شريعتي فيعملوا بها ويطبقوها في أرضي. (والإحسان) الذي هو ثمرة الإيمان والإسلام وغايتهما العليا (أن تعبد الله كأنك تراه) أي في شهود قرب الله منك قربا يمحق عنك العجب ورؤية النفس والعمل بأن لم تر في الكون إلا نعم الله تعالى عليك بالطاعات ولزوم الخدمة والموافقات (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) أي فإن لم تدرك مقام المشاهدة فلا تعجز نفسك عن مقام المراقبة وهو ذكر أن الله غير غافل عما تعمل فتجتهد في التوبة والمجاهدة للنفس الأمارة بالسوء وجعلها طيبة مطمئنة.

   هذا نهاية ما جرى به قلمي الفاتر وأوصي به عقلي القاصر نفع الله به كما نفع بعلوم مشايخي الكرام الذين أجلهم وأمنهم علي سيدنا الإمام الحبيب محمد علوي المالكي الحسني أيده الله بنصره وحارسته وأظلني دائما في ظل بركاته. آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه ببنانه وأقره بجنانه وطلب العذر في فلتات بيانه وهفوات لسانه

عبيد ربه الحنان محمد نجيح بن ميمون في ساران

يوم الإثنين أول ربيع الأول 1415 هـ.


(2) “( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)”. رواه الحاكم عن أنس والسجزي عن أبي هريرة حديث ضعيف: قالـه السيوطي في الجامع الصغير (جـ 1 صـ 100). ورواه الديلمي عن ابن عمر مرفوعا بلفظ (العلم دين والصلاة دين فانظروا عمن تأخذون هذا العلم وكيف تصلون هذه الصلاة فإنكم تسألون يوم القيامة). قالـه الشيخ محمد محفوظ  بن عبد اللـه الترمسي في كفاية المستفيد.

(3) يحمل هذا العلم من كل خلف عدولـه: تمامه ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. [رواه البيهقي في المدخل], وذكر القسطلاني أنه يصير بطرقه حسنا قالـه السيد محمد بن علوي المالكي في القواعد الأساسية (صـ:4) وكذا ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات: وقال: وهذا من أعلام النبوة ولا يضر مع هذا كون بعض الفساق يعرف شيئا من العلم فإن الحديث إنما هو أخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئا منه. واللـه أعلم. إهـ. (تهذيب الأسماء واللغات: 1/17).

(4) كان خلقه القرآن : [رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن عائشة حديث صحيح]. قال السيوطي في الجامع الصغير: (جـ:2/ صـ:111).

(5) “(أدبني ربي فأحسن تأديبي)”.[رواه أبو سعيد السمعاني في أدب الإملاء من حديث ابن مسعود والعسكري في الأمثال وابن الجوزي في الأحاديث الواهية من حديث علي وقال: لا يصح وصححه أبو الفضل ابن ناصر]. قالـه السيوطي في الدرر المنتثرة (3).

(6) “(صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)”. تمامه : “(فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين)”. [رواه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة والنسائي عن ابن عباس والطبراني عن البراء حديث صحيح]. قالـه في الجامع الصغير : [2/47].

(7). أطال المؤلف حفظه اللـه الكلام في مسألة الكلام التي هي أغمض وأدق شيء في علم الكلام إشارة إلى أهمية الأدب الخطابي في وصف  كلامه تعالى وكتابه الحكيم. فإن كثيرا من الطلبة يتسارع إلى أذهانهم وأفواههم أن القرآن العظيم بهذا اللسان العربي المبين مخلوق حادث ولا يتنبهون إلى حقيقة قرآنية وقضية فرقانية أن اللـه تعالى علم آدم الأسماء والحروف واللغات فهذه الأشياء موجودة قبل حدوث المسميات وقبل خلق العقول والأصوات وأن اللـه تعالى لـه كلمات ربانية قديمة دالة من غير نطق ولا صوت على علمه وعجائب ملكه لو كتبت حروفها بماء البحر ما نفدت كلماته تعالى التامات. قال تعالى في سورة الكهف : } قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثلـه مددا {. واللـه أعلم وأحكم.

(8) “(أنت مني بمنزلة هرون من موسى)”. تمامه: “(إلا أنه لا نبي بعدي)” . [رواه الشيخان واللفظ لمسلم]. ولفظ البخاري: “(أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)”. [صحيح مسلم :2/362], [صحيح البخاري: جـ 2/300]. قال القاضي : هذا الحديث مما تعلقت به الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة في أن الخلافة كانت  حقا لعلي وأنه وصي لـه بها قال : ثم اختلف هؤلاء فكفرت الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره وزاد بعضهم فكفر عليا لأنه لم يقم في طلب حقه بزعمهم وهؤلاء أسخف مذهبا وأفسد عقلا من أن يرد قولـهم أو يناظر وقال القاضي: ولا شك في كفر من قال هذا, لأن من كفر الأمة كلـها والصدر الأول فقد أبطل نقل الشريعة وهدم الإسلام. وأما من عدا هؤلاء الغلاة فإنهم لا يسلكون هذا المسلك. فأما الإمامية وبعض المعتزلة فيقولون هم مخطئون في تقديم غيره لا كفار وبعض المعتزلة لا يقول بالتخطئة لجواز تقديم المفضول عندهم , وهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم بل فيه إثبات فضيلة لعلي ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثلـه وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده لأن النبي صلى اللـه عليه وسلم إنما قال هذا لعلي حين استخلف في المدينة في غزوة تبوك. ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى بل توفي في حياة موسى وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص . قالوا: وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة واللـه أعلم. قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على أن عيسى بن مريم صلى اللـه عليه وسلم إذا نزل في آخر الزمان نزل حكما من حكام هذه الأمة بحكم شريعة نبينا محمد صلى اللـه عليه وسلم ولا ينزل نبيا . إهـ.

(شرح مسلم للنووي؛ جـ:15/صـ:173 ).

(9). [رواه الشيخان والأربعة عن أبي هريرة حديث صحيح]. قالـه في الجامع الصغير: (2/177).

الشذرات اللماعة في بعض أصول أهل السنة والجماعةDownload kitab

Tinggalkan Balasan

Isikan data di bawah atau klik salah satu ikon untuk log in:

Logo WordPress.com

You are commenting using your WordPress.com account. Logout / Ubah )

Gambar Twitter

You are commenting using your Twitter account. Logout / Ubah )

Foto Facebook

You are commenting using your Facebook account. Logout / Ubah )

Foto Google+

You are commenting using your Google+ account. Logout / Ubah )

Connecting to %s